محمد متولي الشعراوي
6018
تفسير الشعراوى
لأنهم لن يروا النمل الصغير « 1 » . إذن : الذّرّ إما أن يكون النمل الصغير ، وإما أن يكون الذرّات الهبائية . وأراد اللّه سبحانه أن يضرب لنا مثلا بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة . ويعزب ، أي : يغيب ، ويقال : « هذا البئر ماؤه عازب » ، أي : قادم من عمق بعيد ، ويحتاج استخراجه إلى دلو وحبال طويلة . ونسمّى الرجل الذي يبعد عن أهله « عزب » . وقول الحق سبحانه : وَما يَعْزُبُ . أي : لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شئ ولا أكبر شئ . يقول سبحانه ذلك ؛ ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها اللّه ، ويعلمها ، وهو المجازى عليها . وإن استطاع إنسان أن يعمّى على قضاء الأرض ، فلن يستطيع أن يعمّى على قضاء السماء « 2 » . ومسألة الذرّة والصغر يقول عنها الحق سبحانه :
--> ( 1 ) قال تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) [ النمل ] وسار سليمان بموكبه العظيم هذا : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ . . ( 18 ) [ النمل ] أي : مرّوا على وادى النمل فقالت نملة لإخوانها : ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) [ النمل ] فهي خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم ، ففهم ذلك سليمان : فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) [ النمل ] . أي : ألهمني أن أشكر نعمك التي أنعمت بها علىّ من تعليمي منطق الطير والحيوان وعلى والدىّ بالإسلام لك . [ ابن كثير : 3 / 357 - 359 ] . ( 2 ) عن أم سلمة قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنكم تختصمون إلىّ ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضى له على نحو مما أسمع منه ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من النار » أخرجه البخاري في صحيحه ( 2680 ) ومسلم ( 1713 ) .